الأحد، 6 فبراير 2011


صورة.... وصورة

راكان محمد وجيه العلاف

لم نكن نتوقع، لا أنا ولا زميلاي، ونحن نعبر كوبري 6 أكتوبر إلى ميدان عبد المنعم رياض ومنه إلى ميدان وشارع طلعت حرب في تلك الأمسية التموزية الجميلة أن تكون هذه المنطقة بعد اشهر اسخن بقعة في العالم. كنا في دورة تدريبية لمدة عشرة أيام في القاهرة في شهر تموز 2010، وكان التدريب يستمر من الساعة 9 صباحا إلى 2 بعد الظهر، نعود بعدها إلى الفندق للراحة واتقاء حر فترة الظهيرة، لنخرج في حوالي السابعة مساء ونختار إحدى مناطق القاهرة ونمضي بقية اليوم فيها. في تلك الأمسية قررنا الذهاب إلى برج القاهرة في منطقة الزمالك. صعدنا إلى الطابق 65 والذي يسمونه البانوراما لمشاهدة معالم القاهرة من أعلى نقطة فيها، وفجأة انطلقت الألعاب النارية في السماء بكثافة وعندما سألنا الناس عن السبب قالوا(بكرة 23 يوليو عيد الثورة). كان منظر الألعاب النارية جميلا واستمر لما يقارب 15 دقيقة. نزلنا بعدها وتمشينا إلى كوبري 6 اكنوبر الذي يصل ما بين كورنيشي النيل. كان ليل القاهرة مضيئا وحميميا كما تصورناه من خلال قراءتنا للروايات المصرية، وكانت الفلوكات أو مراكب النيون تسرح وتمرح في النيل بألوانها الجميلة و تنبعث منها الأغاني الشعبية صداحة. وما أحلى منظر المطاعم العائمة الراسية على كورنيش النيل من جهة جزيرة الزمالك والتي هي عبارة عن مراكب كبيرة مصممة ومؤثثة بشكل فخم وفي كل منها عدة مطاعم تقدم مالذ وطاب من ألوان الطعام. وفي الطرف الآخر من الكوبري كنا نرى مبنى الإذاعة والتلفزيون أو كما يسمونه هناك (ماسبيرو) مضيئا وعليه الرقم 50 دليلا على مرور 50 عاما على تاسيسه. وفي منتصف الكوبري شاهدنا موكبي زفاف وقفا لينزل العرسان لالتقاط صور تذكارية مع أهلهم وأصدقائهم بين أصوات الزغاريد والتهاني وهي عادة يحرص العرسان على إتباعها كجزء من مراسم الزفاف. هنأنا العرسان وتمنينا لهم الحياة السعيدة وأكملنا مسيرتنا وأمام أعيننا عشرات اللوحات الإعلانية المضيئة الضخمة التي تعلن عن مسلسلات رمضان القادم. وعلى سياج الكوبري وقف (الحبيبة) أزواجا يتهامسون فيما بينهم بعبارات الهوى والغرام غارقين في عالم من الأحلام لا تشوشه أصوات منبهات مئات السيارات التي تجتاز الكوبري.
نزلنا من سلم الكوبري باتجاه ميدان الشهيد عبد المنعم رياض (احد القادة الذين استشهدوا في حرب أكتوبر). كان عشرات الشباب جالسين على المساطب الموزعة في الميدان يدخنون وفي أيديهم الهواتف المحمولة يتناقلون بينهم ما حوته من أغاني ومقاطع فيديو حتى انك لتتصور أن هؤلاء الشباب لا يوجد ما يشغلهم سوى هذه الفعالية. توجهنا بعدها إلى شارع طلعت حرب مؤسس الاقتصاد المصري الحديث (الذي وضع تمثاله في ميدان باسمه في بداية الشارع). ويعد هذا الشارع احد أهم الشوارع التجارية في قلب القاهرة ويتميز بمحلاته الواسعة والفخمة والمليئة بالأزياء والمفروشات والألعاب والأحذية والتحفيات وغيرها. كما يوجد في هذا الشارع أيضا كافيتيريا (جروبي) التي لا تزال تعمل منذ عام 1891 ولعل في تصميمها وأثاثها ما يدل على هذه العراقة. والحقيقة أن المحلات التجارية في كثير من أحياء القاهرة لا تغلق أبوابها ليلا أو نهارا وتبقى مستمرة في العمل. هذه صورة لما رأيناه في هذه المنطقة قبل ما يقارب 7 اشهر فما هي الصورة اليوم؟
أصبح كوبري 6 أكتوبر في بداية ثورة الشباب ضد نظام حسني مبارك ممرا سلكه المتظاهرين ليتجمعوا في ميدان التحرير، ثم تحول إلى ممر سلكه البلطجية لضرب المتظاهرين، ليسيطر عليه الجيش في النهاية ويقيد حركة الناس عليه. توقفت حركة الفلوكات في النيل وانضم أصحابها إلى المتظاهرين، وتحول ميدان عبد المنعم رياض إلى ساحة معركة بين المتظاهرين والمؤيدين لمبارك شهدت تراشقا بالحجارة وقنابل المولوتوف، وسقط فيه قتلى وجرحى عديدون من الطرفين، وامتلأ بالسيارات المحترقة ووضعت في مدخله باتجاه ميدان التحرير المتاريس والعوارض الكونكريتية، وشهد شارع الكورنيش العديد من المظاهرات بسبب وجود مبنى الإذاعة والتلفزيون ومكاتب القنوات الفضائية، إلى أن أغلقه الجيش بدباباته وأخليت هذه المكاتب من العاملين فيها. وتحول ميدان وشارع طلعت حرب إلى ما يشبه أنبوب المغذي الذي يوضع للمرضى كي يديم فعالياتهم الحياتية، حيث أصبح هذا الشارع منفذا لتزويد المتظاهرين في ميدان التحرير بالأغذية والأدوية اللازمة لإدامة هذه المظاهرات. وأصبح الشباب المتسكعين في هذه المنطقة يتظاهرون بصورة سلمية وحضارية مطالبين برحيل مبارك مقدمين درسا للشعوب العربية في الرقي في التعبير عن مطالبهم بدون إيذاء ولا تخريب للبلد.
من المؤكد أن تغير الحال في مصر من الصورة الأولى إلى الصورة الثانية ليس وليد ساعته وليس بلا مقدمات، ولعل ابرز ما سبب هذا التغيير هو أن الشعب المصري ضاق ذرعا من تدني المستوى ألمعاشي والخدمات وتفشي الفساد والبطالة. ورأينا في المواطن المصري نظرة يائسة لمستقبله بل أن العديد منهم كان يحدثنا عن سوء الأحوال المعاشية وعدم قدرة الناس على مواجهة متطلبات الحياة وارتفاع الأسعار المتواصل دون أن يقابله زيادة في الأجور التي كانت متدنية حتى أن موظفا، على سبيل المثال، لديه خدمة 16 عاما لا يكاد يصل مرتبه الأساسي إلى 90 دولار، وهو المبلغ الذي يدفعه كإيجار لشقته، ولذل فهو يعمل سائقا لسيارة أجرة منذ 3 مساء حتى 3 صباحا كي يجمع من المال ما يعينه على إعالة عائلته، كما أن أستاذا قابلته بدرجة بروفسور وله خدمة 27 سنة لا يتجاوز مرتبه 800 دولار لذا فهو يضطر للعمل في شركات أهلية كوظيفة إضافية. كما رأينا أناسا يعيشون في حواري شعبية مسحوقة لا يكادون يجدون ما يقيمون به أود العيش، وكان الشعور العام السائد لدى الكثيرين أنهم يستحقون أفضل من هذه الحياة، وأنهم لا يصلون إلى الحدود الدنيا التي يريدون أن يحصلوا عليها على الأقل. كما أن البطالة المتفشية سببت الإحباط لدى خريجي الجامعات وغيرهم من الشباب الذين أصبح جلهم يقضون وقتهم جالسين على المقاهي بل أن بعضهم ذهب ضحية لتعاطي الممنوعات هروبا من واقعه المرير. كان الجميع ناقمين على الوضع وعلى النظام الحاكم، ولديهم يقين بان الرئيس وعائلته حرموهم من حقوقهم من خلال استغلالهم للمال العام ومن خلال العمولات التي يحصلون عليها من خلال تسهيل صفقات بعض رجال الأعمال الفاسدين والذين لديهم حظوة لدى الحكومة. كان الناس يشعرون بالقهر والذل بسبب فقرهم ولذلك يسعون ويكدون في شتى المهن للحصول على ما يلزمهم من جنيهات قليلة تعينهم على تلبية متطلبات البيت والعائلة. سالت احد سائقي الأجرة يوما (بتحبو الكورة في مصر؟) فأجاب بلهجة حزينة (إحنا بنحب أي حاجة تبعدنا عن القرف اللي إحنا فيه) وبدا يتكلم كيف أن الغذاء عندهم ملوث والماء ملوث بحيث انك لا تستطيع شرب ماء الحنفية في بعض الأماكن لاختلاطه بمياه الصرف الصحي، كما أن كثرة الناس والازدحام في الشوارع يؤخر الناس عن أعمالهم. ولعل هذا غيض من فيض مما جعل الشباب يثور على واقعه وعلى ما يعانيه من شظف العيش وقسوة السلطة، وانطلقت مظاهرات الغضب الشعبي مطالبة برحيل راس النظام الذين كانوا يطلقون النكات ويتندرون عليه في محاولة لتنفيس غضبهم، والمصريين رغم قسوة ظروفهم إلا أنهم أبناء نكتة كما يقولون، والنكتة تخرج من أفواههم وليدة لحظتها، ولا أنسى ما قاله احد سائقي الأجرة عندما مررنا بالقرب من القصر الرئاسي في طريق صلاح سالم (ده بيت الريس بتاعنا، ربنا يخليه، وياخدو هو وعيلتو في يوم واحد).
تحية لشباب مصر المتظاهرين الذين أعطوا درسا في التحضر والالتزام بالمبادئ، والذين قدموا مفهوما جديدا لمعنى المظاهرات السلمية في الوطن العربي، وعسى الله أن لا تشهد الأيام القادمة ما يعكر صفو هذه الأجواء السلمية والتي مهما كانت نتائجها فإنها سوف تسجل ولادة جديدة للشباب ولقوتهم ولمكانتهم في المجتمع العربي.

الثلاثاء، 1 فبراير 2011

انا كبرت في دماغي!
اتابع الان امامي لقطات من مظاهرات الشعب المصري الذي يطالب برحيل الرئيس حسني مبارك .وقبل قليل القى الرئيس خطابا تعهد فيه باجراء العديد من الاصلاحات والتي من ضمنها عدم ترشحه لفترة ثانية، وكان رد الناس على الخطاب برفضه جملة وتفصيلا. ويبدو ان الوضع الان اصبح وكأن لسان حال الرئيس والشعب يقول انا كبرت في دماغي. كل منهما يريد ان يفرض رايه على الاخر ولكن المشكلة ان كل منهما وصل الى نقطة لا يمكن التراجع عنها ومن يفعل ذلك سيخسر قيمته وهيبته امام الاخر. والحقيقة ان المصريين وصلو الى مرحلة من الياس من مستقبلهم واصبح الفقر والحرمان الطابع الغالب عليهم. ولقد رايت بعيني حواري في القاهرة يسكنها اناس فقراء لا يكادون يجدون ما يقتاتون به. كما ان البطالة وقلة العمل ادت بالشباب الى التسكع والجلوس على المقاهي وتعاطي الممنوعات للهروب من واقعهم المرير. وحتى اولئك الذين اتيحت لهم فرصة العمل في احد مؤسسات الدولة كانوا يعانون من قلة مرتباتهم والكثير منهم من يمارس اعمالا اضافية بعد انتهاء دوامه مثل العمل على سيارة اجرة او ف محل للكشري او غيرها من الاعمال. ولقد تحاورت مع سواق سيارات اجرة فاكتشفت انهم يعملون على سياراتهم هذه لفترة لا تقل عن 12 ساعة يوميا ليجمع مبلا من المال يضيفه الى ما يقبضه من مرتب ليكفي بالكاد لدفع ايجار الشقة التي يسكنها ومتطلبات الحياة الاخرى. فمثلا كان هناك موظف له خدمة في احدى الوزارات لمدة 16 سنة ومرتبه الشهري لا يزيد عن 200 دولار. والتقيت باحد اساتذة الجامعة وهو بروفسور في الاقتصاد له خدمة تزيد على 25 سنة ومرتبه لا يزيد على 800 دولار وهكذا. وبالتالي اصبح الشعب قرفا من حياته ومن مستقبله كما قال احد سواق الاجرة وهم يحملون الرئيس مسؤولية التدهور الذي حصل في بلدهم وبالتالي تفاقم هذا القرف لينفجر الشعب بمظاهرات مليونية تطالب الرئيس بالتنحي وهمو امر يرفضه الاخير كما يبدو والخوف ان تصل الامور الى حد حصول مواجهة تكون مصر هي الخاسر الوحيد فيها. والسبب كما قلنا ان لا احد من الطرفين ممكن ان يتنازل عن مطالبه وكل منهما يقول انا كبرت في دماغي.